أولًا: مقدمة
تشهد أسواق العمل في العالم والمنطقة العربية تحولات جذرية غير مسبوقة، تعيد تشكيل منظومات الإنتاج والمهارات والوظائف، وتفرض أنماطًا جديدة من العمل والتشغيل. هذه التحولات تتقاطع عند ثلاث موجات كبرى متزامنة هي: التحول التكنولوجي الرقمي الناتج عن الثورة الصناعية الرابعة وما أفرزته من أتمتة وذكاء اصطناعي واقتصاد منصات، والتحول الأخضر استجابة لتحديات المناخ والطاقة والبيئة، والتحولات الديموجرافية والاجتماعية التي تعيد توزيع القوى العاملة بين الأجيال والقطاعات والمناطق.
ويرتبط الهدف الثامن بصورة مباشرة وغير مباشرة، بكافة أهداف التنمية المستدامة الأخرى، خاصة هدف القضاء على الفقر (الهدف رقم 1)، والصحة الجيدة والرفاه (هدف رقم 3)، والتعليم الجيد (هدف رقم 4)، المساواة بين الجنسين (هدف رقم 5)، الصناعة والابتكار والبُنى التحتية (هدف رقم 9)، والحد من أوجه عدم المساواة (هدف رقم 10)، وغيرها.
ورغم الاهتمام العالمي والإقليمي القديم والمتجدد بتوفير العمل اللائق عبر أقاليم ودول العالم المختلفة، كشف تقرير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2025 أن تباطؤ نمو الاقتصاد وضعف الإنتاجية وتراجع الامتثال لحقوق العمال أدى إلى تزايد معدلات العمل غير الرسمي، حيث بلغت ما نسبته 58 % من العمال في العالم يعملون في القطاع غير الرسمي، خاصة بالدول النامية، ولا يزال الشباب والنساء يواجهون معدلات بطالة مرتفعة واستمرار الفجوات الكبيرة في الأجور وظروف التشغيل، وتباطؤ خلق فرص العمل الجديدة، الأمر الذي ساعد على تقويض فرص تحقيق الهدف الثامن. وأكد التقرير على الحاجة إلى استراتيجيات شاملة للتعامل مع قضية سوق العمل، وإضفاء الطابع الرسمي على العمالة غير الرسمية، وتحسين أنظمة الحماية الاجتماعية، وإنفاذ حقوق العمال، وتوسيع مبادرات الاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي، وضمان الوصول العادل إلى التمويل.
ولا يختلف الأمر كثيراً على المستوى العربي، حيث يشير تقرير الإسكوا حول التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2025، وتقرير التنمية العربية 2025 حول مستقبل أسواق العمل العربية إلى تحديات هامة تواجه المنطقة العربية في هذا الشأن.
وعلى المستوى الوطني، يشهد الاهتمام بسوق العمل في مصر العديد من المستجدات الهامة ومن أبرزها: صدور قانون جديد للعمل - مايو 2025، وتوجهات استراتيجية لدعم العمل اللائق ودوره التنموي، حيث أكدت الأجندة الوطنية للتنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 المحدثة على دور الإنسان كمحور للتنمية في طليعة مبادئ الأجندة، كما أكدت على دور التعليم الجيد والتدريب وصقل المهارات للتأهل للوظائف المستقبلية التي تعتمد على البحث العلمي والابتكار. وفي ذات السياق الاستراتيجي، أولت السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل، والتي طرحت للحوار العام في سبتمبر 2025 على العديد من المنطلقات التي تكرس دورًا محوريًا للعمل اللائق في تعزيز النمو والاستدامة في مصر في المرحلة القادمة.
في إطار هذا المشهد العالمي والإقليمي والوطني لأوضاع ومستجدات وتحديات أسواق العمل في علاقتها بالتنمية المستدامة على كافة الأصعدة المشار إليها، ينظم معهد التخطيط القومي مؤتمره الدولي السنوي لعام 2026 تحت عنوان:"سوق العمل والتنمية المستدامة".
ثانيًا: أهداف المؤتمر
يطمح المؤتمر إلى أن يكون منصة فكرية وعلمية لصياغة رؤية جديدة لسوق العمل والتنمية المستدامة، ترتكز على الإنتاجية والابتكار والعدالة، وتحول التحديات الراهنة إلى فرص لبناء مستقبل أكثر استدامة وإنصافًا للأجيال القادمة. لذا يهدف المؤتمر إلى تقديم قراءة تحليلية واستشرافية لمستقبل أسواق العمل في مصر والمنطقة العربية في ضوء التحولات التكنولوجية والبيئية والديموجرافية، واقتراح سياسات وبرامج عملية تجعل من سوق العمل رافعة محورية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة من خلال:
- رصد التجارب الدولية الناجحة في بناء أسواق عمل مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية والمُناخية والتكنولوجية.
- تشخيص أوضاع سوق العمل المصري والإقليمي وتحليل الاختلالات الهيكلية الراهنة من منظور اقتصادي ومؤسسي واجتماعي.
- تحليل السياسات الوطنية والإقليمية ذات الصلة بالتشغيل وتنمية المهارات وتمكين الفئات المختلفة، ومدى توافقها مع التحول الأخضر والرقمي.
- تقييم الأطر التشريعية والمؤسسية المنظمة لسوق العمل، ومدى اتساقها مع مفهوم العمل اللائق.
- اقتراح بدائل وسياسات عملية لدعم التشغيل المنتج والنمو الشامل من خلال التعليم والتدريب التكنولوجي وريادة الأعمال والتحول الأخضر.
- تطوير آليات للحوكمة والتنسيق المؤسسي بين الأطراف المعنية بسوق العمل لتعزيز الكفاءة والشفافية.
ثالثًا: محاور المؤتمر
المحور الأول: التجارب الدولية والتحولات العالمية والإقليمية في أسواق العمل
يستهدف هذا المحور تحليل الاتجاهات الراهنة واستشراف الاتجاهات المستقبلية في أسواق العمل عالميًا وإقليميًا، مع التركيز على الدروس المستفادة من التجارب الدولية وأفضل الممارسات في تناول العلاقة بين النمو الاقتصادي، والتشغيل المنتج، والعدالة الاجتماعية، والبطالة، والاقتصاد غير الرسمي، وغيرها، والذي قد يتناول - من بين ما يمكن تناوله - القضايا والتساؤلات الرئيسية التالية:
- إلى أي مدى تغيرت العلاقة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل في ظل الأزمات العالمية (الجائحة، الحروب، اضطرابات الطاقة والغذاء)؟
- ما الدروس المستفادة من تجارب الدول الناجحة في تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟
- ما دور الدولة وتطوره في إدارة جانبي العرض والطلب لسوق العمل.
- ما دور الدولة في إدارة العلاقات التفاوضية بين العمال وأصحاب الأعمال؟
- ما الدروس المستفادة من تجارب الدول الناجحة في معالجة الأسباب الهيكلية للبطالة؟
- ما الدروس المستفادة من تجارب الدول الناجحة في دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا في منظومة العمل الرسمية؟
- ما نماذج التعاون بين القطاعين العام والخاص في تطوير أنظمة معلومات العمل؟
- ما دور الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في إدارة تغير أنماط وثقافة العمل، ورسم سياسات عمل مستدامة قادرة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية والتوترات الجيوسياسية.
- كيف يمكن بناء مؤشرات إقليمية لقياس جودة العمل اللائق؟
المحور الثاني: كفاءة ومرونة سوق العمل في مواجهة التحولات التكنولوجية والبيئية
يُعنى هذا المحور ببحث ديناميكيات سوق العمل في ظل الثورة الصناعية الرابعة والتحول الأخضر، مع التركيز على المهارات الجديدة والتحديات المرتبطة بالتغير التكنولوجي والبيئي، والذي قد يتناول - من بين ما يمكن تناوله - القضايا والتساؤلات الرئيسية التالية:
- ما موقع مصر والدول العربية في خريطة التحولات الجديدة التي تشهدها أسواق العمل عالميًا في ضوء الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر؟
- ما تأثير التحولات التكنولوجية والبيئية على توزيع الوظائف بين القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية؟
- كيف يمكن تحقيق التحول العادل في سوق العمل الذي يضمن دمج الفئات الهشة أثناء التحول نحو الاقتصاد الأخضر؟
- كيف يمكن تحقيق التوازن بين التشغيل المنتج وحماية البيئة في القطاعات عالية الانبعاثات؟
- ما المهارات الجديدة المطلوبة في سوق العمل المستقبلي حتى عام 2035؟ وما التطبيقات الممكنة للذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالوظائف والمهارات المستقبلية؟
- كيف يمكن سد فجوة المهارات بين نظم التعليم والتدريب الحالية ومتطلبات كل من الاقتصاد الرقمي والأخضر؟
- ما الدور الذي يمكن أن تلعبه ريادة الأعمال والشركات الناشئة في خلق وظائف مستدامة؟
- ما التطبيقات الممكنة للذكاء الاصطناعي لبناء منظومات بيانات رقمية تفاعلية لرصد وتحليل ديناميكيات سوق العمل لدعم متخذ القرار؟
المحور الثالث: سياسات سوق العمل والحوكمة المؤسسية
يركز هذا المحور على تحليل فعالية سياسات سوق العمل في تحقيق الكفاءة والتوازن بين جانبي العرض والطلب، وتقييم منظومة الحوكمة المؤسسية والتشريعية التي تنظم العلاقة بين أطراف العملية الإنتاجية، والذي قد يتناول - من بين ما يمكن تناوله - القضايا والتساؤلات الرئيسية التالية:
- ما مدى كفاءة وتكامل السياسات النشطة وغير النشطة للتشغيل في معالجة البطالة؟
- كيف يمكن تطوير نموذج جديد للحوكمة المؤسسية في إدارة سوق العمل في ظل التطورات المعاصرة؟
- كيف يمكن ضمان الخصوصية والشفافية في استخدام البيانات العمالية؟
- ما أدوار الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني في صياغة “عقد اجتماعي جديد للعمل”؟
- ما التطبيقات والنماذج الإحصائية الحديثة لقياس العلاقات الديناميكية بين سياسات سوق العمل ومتغيرات الاقتصاد الكلي.
- كيف يمكن تعزيز التنسيق بين وزارات العمل، والتعليم، والتخطيط، والمالية وغيرها فيما يخص سياسات سوق العمل؟
- ما مدى ملاءمة التشريعات العمالية الحالية لمواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية الحديثة؟
- ما السياسات المطلوبة لتفعيل الحوار المجتمعي بين أطراف الإنتاج الثلاثة (الدولة – العمال – أصحاب الأعمال)؟
- ما الأبعاد الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالعمل مثل قيمة العمل والولاء والجودة وزيادة الإنتاجية، وغيرها؟
المحور الرابع: قضايا السكان وسوق العمل في مصر
يناقش هذا المحور العلاقة بين التطورات الديموجرافية والاجتماعية وسوق العمل في مصر، مع التركيز على قضايا المساواة في الفرص والعمل اللائق للفئات المختلفة والهجرة واللجوء وعمالة الأطفال، وغيرها، والذي قد يتناول - من بين ما يمكن تناوله - القضايا والتساؤلات الرئيسية التالية:
- كيف يمكن استثمار النافذة الديموجرافية المصرية (2025–2050) لتعزيز التشغيل المنتج؟
- ما انعكاسات تراجع معدل النمو السكاني في السنوات الأخيرة على جانب العرض في سوق العمل المصري؟
- ما أثر الهجرة واللجوء على توازنات سوق العمل، وكيف يمكن تحويلها إلى فرص تنموية؟
- ما انعكاسات الأجور الحقيقية والتضخم وسياسات الحد الأدنى للأجور وتحديات تطبيقه على العدالة الاجتماعية؟
- كيف يمكن معالجة الحد من عمالة الأطفال ضمن رؤية شاملة للتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية؟
- ما انعكاسات التفاوتات الإقليمية على تحقيق العدالة المكانية في توزيع فرص العمل على الأقاليم؟
- ما السبل العملية لضمان اندماج ذوي الإعاقة في سوق العمل؟
- ما أسباب قلة الوزن النسبي لمشاركة النساء في سوق العمل، وأوجه عدم المساواة، وتفاوت الدخل بناءً على النوع الاجتماعي؟